ناقش الطالب الباحث إسماعيل الورايني، محام متمرن بهيئة المحامين بتطوان محكم معتمد من طرف وزارة العدل، أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص في موضوع “مركز الخبرة الطبية بين مقتضيات القانون المدني والقانون الجنائي- دراسة مقارنة”، تحت إشراف الأستاذ محمد التليدي.
يندرج هذا البحث، وفق معطيات توصلت بها هسبريس، ضمن الدراسات القانونية التي تلامس أحد أبرز الإشكاليات المطروحة على مستوى منظومة العدالة، ويتعلق الأمر بالخبرة الطبية القضائية، من حيث موقعها القانوني بين مقتضيات القانون المدني من جهة، ومقتضيات القانون الجنائي من جهة ثانية، باعتبارها أداة فنية علمية، تطرح إشكالات دقيقة تتعلق بطبيعتها، وقيمتها الإثباتية، وضوابط إنجازها، وما تستلزمه من ضمانات لحماية حقوق المتقاضين.
وقد قُسّمت الدراسة إلى بابين أساسيين، تفرع كل منهما إلى مجموعة من الفصول والمباحث التي عالجت الموضوع من مختلف جوانبه النظرية والتطبيقية، التشريعية والعملية.

استعرض الفصل الأول المواقف الفقهية المختلفة حول الطبيعة القانونية للخبرة، حيث انقسم الفقه إلى ثلاثة اتجاهات؛ الأول يرى أنها وسيلة إثبات مستقلة والثاني يعتبرها وسيلة لتقدير الدليل لا لخلقه، أما الثالث فينظر إليها كـإجراء مساعد للقضاء.
وتم تعزيز هذه الاتجاهات بإشارات للاجتهاد القضائي المغربي، ولا سيما قرارات محكمة النقض التي أكدت أن الخبرة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للتمحيص متى اقتضت الضرورة.
كما تناول الفصل الأساس الشرعي للخبرة في الفقه الإسلامي، من خلال قاعدة “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، مما يدل على جواز الاستعانة بأهل التخصص في المسائل الغامضة.
وركز الفصل الثاني على الشروط والإجراءات التي تُنظم ممارسة الخبرة الطبية في المسطرة القضائية. وتمت الإشارة إلى أن تعيين الخبير يتم عادة بقرار قضائي، وقد يكون بطلب من الأطراف أو تلقائيًا من المحكمة، بشرط أن تقتضي طبيعة النزاع ذلك.
تناول الفصل أيضًا الشروط التي يجب توفرها في الطبيب الخبير، مثل الكفاءة المهنية، النزاهة، الحياد، والاستقلال، فضلًا عن التزامه بآداب المهنة.
كما عالج الفصل الإشكالات المتعلقة بآجال إنجاز الخبرة، طرق الطعن في تقرير الخبير، حالات استبعاده أو استبداله، ومسؤولياته التأديبية والمدنية والجنائية في حالة الإخلال بواجباته، متوقفا عند خصوصية التقرير الطبي القضائي، مؤكدا أنه لا يرقى إلى أن يكون دليلًا قاطعًا، بل يبقى خاضعًا لتقدير القاضي، الذي يبقى حرا في تبنيه أو رفضه، شرط تعليل موقفه.

وانتقل الباحث في الباب الثاني من التأصيل النظري إلى الجانب الوظيفي للخبرة الطبية، وأبرز كيف تُستعمل كوسيلة للإثبات في النزاعات القضائية، المدنية والجنائية، حيث تناول الفصل الأول الأهمية المتزايدة للخبرة الطبية في القضايا المدنية، مثل إثبات الخطأ الطبي، تقدير نسبة العجز، تقييم الضرر الجسدي أو النفسي، إثبات النسب، وحتى في بعض نزاعات التأمين.
وأكد من خلاله أن القاضي المدني غالبًا ما يكون في حاجة ماسة إلى تقرير طبي محايد يرشده في تقدير المسؤولية والتعويض، مشيرًا إلى أن بعض القضايا لا يمكن حسمها من دون اللجوء إلى الخبرة، ثم عرض الاجتهاد القضائي المغربي في التعامل مع تقارير الخبرة، حيث تبين أن المحكمة ملزمة بإبداء رأيها فيها تعليلاً ورفضًا أو قبولًا، وإلا شاب حكمها قصور في التعليل.
أما الفصل الثاني، فتوقف الباحث فيه عند أهمية الخبرة الطبية التي تتضاعف في القضايا الجنائية، لأنها تساهم بشكل مباشر في تحديد ما إذا كانت الجريمة قد وقعت أم لا، وتحديد سبب الوفاة أو طبيعة الإصابة، أو مدى وجود العنف أو الغدر، مركزا بشكل خاص على قضايا مثل جرائم الضرب والجرح والعاهة المستديمة والاعتداءات الجنسية والإجهاض والقتل العمد أو الخطأ، وحيث إن النيابة العامة وقاضي التحقيق يستعينان بشكل دوري بالخبراء الطبيين لإثبات أركان الجريمة، كما يتم الاعتماد على تقارير الطب الشرعي في توجيه الاتهام أو استبعاد الشبهة.
كما ناقش الفصل إشكالية “قوة تقرير الخبرة الطبية أمام القاضي الجنائي”، مشددا على أن هذا الأخير غير ملزم حصرا بها، لكن من الناحية العملية، كثيرًا ما تؤثر على اقتناعه الصميم.
وتم تقديم نماذج من الأحكام والقرارات التي استندت بشكل مباشر إلى تقارير الخبرة الطبية لحسم النزاع، مع إبراز الفوارق القائمة بين الموقف المغربي وبعض التجارب المقارنة، لا سيما التشريع الفرنسي والمصري والجزائري.
وخلصت الدراسة إلى جملة من التوصيات المهمة، أبرزها ضرورة إخضاع جميع الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية للفحص الطبي دون استثناء كضمانة أساسية لحماية حقوق الإنسان. كما دعت إلى إدراج مادة “الخبرة الطبية والطب الشرعي” ضمن الوحدات الأساسية في التكوين الجامعي لطلبة كليات الحقوق، لما لذلك من دور في تعزيز الفهم القانوني للجانب العلمي في التقارير الطبية.

وأوصت الأطروحة بإعادة تكوين القضاة وضباط الشرطة القضائية في مجال قراءة وفهم تقارير الخبرة الطبية، بهدف تجاوز الصعوبات التي قد تعيق التقدير القانوني السليم لمضامينها ونتائجها. كما شددت على ضرورة تحفيز الأطباء للتخصص في مجال الطب الشرعي، من خلال مراجعة التعويضات الحالية التي لا تتجاوز، في بعض الحالات، 100 درهم عن كل عملية تشريح، بحسب نظام الأداءات والصوائر العدلية.
وفي السياق ذاته، دعت الدراسة إلى تجهيز وحدات الطب الشرعي في المغرب بمعدات وتقنيات حديثة، بما فيها وسائل التصوير الطبي الشعاعي، لتوفير نتائج أكثر دقة وموثوقية. كما أوصى الباحث بالتزام الأطباء بالموضوعية والصدق العلمي في إعداد التقارير، مع اعتماد أسلوب لغوي واضح بعيد عن الغموض، يُراعي قدرة القضاة على الفهم، بالإضافة إلى تعريب مضامين تقارير الطب الشرعي نظراً لكثرة المصطلحات العلمية الدقيقة التي قد يصعب استيعابها.
واقترحت الدراسة أيضا إدراج الخبرة الطبية المتعلقة بحالات التعذيب النفسي ضمن اختصاصات الطبيب الشرعي، بما ينسجم مع مقتضيات حماية السلامة الجسدية والنفسية للأفراد.
تجدر الإشارة إلى أن الطالب الباحث إسماعيل الورايني ناقش أطروحته أمام لجنة علمية ترأسها الأستاذ أحمد الوجدي، وضمّت في عضويتها كلا من الأساتذة عبد المهيمن حمزة، رئيس شعبة القانون الخاص بكلية الحقوق أكدال، ومحمد الزوجال، وعبد الإله المحبوب، وسعد بن عجيبة.
وبعد استعراض الباحث لتقرير أطروحته ومناقشته مع أعضاء اللجنة، تقرر منحه لقب دكتور في الحقوق بميزة “مشرف جداً”، مع التوصية بالنشر.